
التكامل
الإنسان منذ نعومة أظفاره يسعى وراء كماله، وكما يتكامل في طبيعته من عالم النطفة إلى العلقة وإلى المضغة، وحتّى الولادة ثمّ الصبا ثمّ المراهقة والشباب والكهولة، كذلك يتكامل في روحه ونفسه الناطقة وعقله ومعنوياته، والعالم كلّه في السير التكاملي، وفي حركة العشق الجوهري والحبّ إلى المبدأ الأوّل، والإنسان الذي انطوى فيه العالم الأكبر، في حركته الجوهرية يتكامل حتّى يصل إلى قاب قوسين أو أدنى، وإلى الله المنتهى، وإلى ربّك يومئذ المساق.
فمن أنس بالله فإنّه يتكامل في جميع أبعاد حياته، إذ ربّه وأنيسه هو الكمال المطلق، وهو مطلق الكمال، ولا يعلم ما هو إلاّ هو جلّ جلاله، والمستأنس والمحبّ يحاول أن يتشبّه بمحبوبه في صفاته وأسمائه، ومن ثمّ يكون مرآة تتجلّى فيه صفات المحبوب والمعشوق، ويكون الإنسان مظهراً لأسماء الله وصفاته الحسنى، فيصل إلى غاية خلقته من طريق العبادة والإخلاص، فما خلق الله الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون، أي ليعرفون، فيحبّون ويأنسون بالله، وما عليه اسم الله ـ فإنّ ما عليه اسم الله يكون فيه الحياة ويوجب الحياة، وما لم يذكر عليه اسم الله يكون ميّتاً ويوجب الموت كما في الذبائح ـ ويستوحشون من الكفر ويكرهون المعاصي ويفرّون ممّـا في أيدي الناس من معاشيق الجهل ومصاديق الظلم ومعنويات الفسق.
وفلسفة الحياة وسرّ الخلقة هو التكامل من طريق العبادة المتبلورة بالمعرفة والعلم والرحمة، وإنّما يكون تكامل الإنسان في حركات ثلاثة: التفقّه في الدين (الحركة العلمية) والصبر على النائبة (الحركة الأخلاقية) والتقدير في المعيشة (الحركة الاقتصادية) كما ورد ذلك في كثير من الروايات الشريفة فالمستأنس بالله تراه في نهاره وليله يطلب كماله، وهو في حركات دؤوبة ومتواصلة، فيستوحش عن السكون حتّى لا يكون كالماء الراكد، فإنّه وإن كان عذباً وحلواً في بدايته، ولكن بعد ركوده يسنّ وينتن ويتبدّل إلى ماء عفن، فلا بدّ من الجريان حتّى الوصول إلى البحر الموّاج.
فالمؤمن المستأنس بحبّ الله في شغل مستمرّ بذكر الله وتكميل أبعاده الإنسانية، والوصول إلى ما هو المقصود من خلقته، ومثل هذا كيف لا يستوحش ممّن انهمك في الملاذّ والشهوات، وغرّته الحياة الدنيا، ونسي الله فنسي نفسه، ولا يدري لماذا خلق؟ وما المقصود من خلقته؟ وهو كحمار الطاحونة معصّب العين، ومن الصباح إلى الليل يدور حول نفسه، وما أن يفتح عينيه حتّى يرى نفسه، لا يزال في موقفه الأوّل، فيقع كالخشبة الهامدة يغطّ في نومه حتّى اليوم الثاني، وهكذا تنقضي أيامه ولا يزال حماراً لا يعقل
وكثير من الناس كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً في عبادتهم الأصنام والحيوانات والأهواء والدنيا وانغمارهم في مظاهرها الدنيّة، والتكالب على جيفتها القذرة، فكيف المستأنس بالله الكمال المطلق، لا يستوحش من الناس مظاهر النقص والانحطاط والابتذال والاضمحلال الخلقي والإنساني؟!
ثمّ رددناهم في أسفل السافلين، لهم قلوبٌ كالحجارة أو أشدّ قسوة فلا يعقلون بها، ولهم آذان لا يسمعون به ، خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
التقرّب والوصال
من أنس بالله فإنّه يحسّ في كلّ وجوده إنّه يتقرّب إلى خالقه وأنيسه، ويدرك لذّة الوصال في حياته وبعد مماته، ويخاف على نفسه أن ينقطع منه حبل الوصال، فيستوحش من أولئك الذين يحجبونه عن مؤنسه، فيعاشر من يذكّره الله رؤيته، ويزيد في علمه منطقه، ويرغّب في الآخرة عمله، ويقطع مع الجاهل ومع من لم يحمل هذه الصفات، إذ قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، كما ورد في الخبر الشريف، فمن أنس بالله تعالى استوحش عن مثل هؤلاء الناس الغافلين الساهين الناسين.
إنّ موسى بن عمران (عليه السلام) لمّـا ناجى ربّه عزّ وجلّ، قال: يا ربّ أبعيد أنت منّي فأناديك، أم قريب فأناجيك؟ فأوحى الله جلّ جلاله: أنا جليس من ذكرني. قال موسى: يا ربّ أقريب أنت فأناجيك؟ أم بعيد فأناديك فإنّي أحسّ صوتك ولا أراك، فأين أنت؟ فقال الله: أنا خلفك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك، يا موسى أنا جليس عبدي حين يذكرني، وأنا معه إذا دعاني.
فالمستأنس همّه أن يتقرّب إلى ربّه ويصل إلى معبوده، فلا تراه إلاّ مشتغلاً بذكره وعبادته، حتّى ينبهر بجماله، وينصهر في كماله، ويفنى في أسمائه، ويذوب في صفاته، وينزعج ويتألّم من كلّ ما يشغله عن ذكره وأنسه بالله، فكيف لا يستوحش من الناس.
دخل تلميذ على شيخه العارف بالله فقال له: أراك وحيداً؟ فقال العارف: بدخولك أصبحت وحيداً، إذ كنت أناجي ربّي فقطعت مناجاتي...
علوّ المقام
ربّنا الله سبحانه وتعالى عالي الشأن عظيم المقام، تعالى عمّـا يصفون، فهو اللطيف بعباده، وهو القادر على كلّ شيء، وهو الجميل ويحبّ الجمال والعمل الجميل، فمن عشقه وأحبّه وأنس به، فإنّه يرفع مقامه ويعلّي شأنه، وعليّ اشتقّ من العليّ، ومحمّد من محامده، ويصل إلى مقام تصافحه الملائكة والأنبياء، ويتكلّم مع الشهداء، ويستغفر له كلّ شيء حتّى الحوت في البحر، ويكون مظهر أسمائه وصفاته، ويجدّ في خشوعه وعبادته، والعبادة جوهرة كنهها الربوبيّة، فمثل هؤلاء الأولياء المقرّبون، الذين يطيعون الله ورسوله، قد وعدهم الله في علوّ الدرجات، قاب قوسين أو أدنى: قال تعالى: (مَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) (1). (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (2). و (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (3). فكيف المستأنس بالله المطيع لله ولرسوله المتّقي المؤمن العالم المجاهد لا يستوحش من الناس الجهلاء الفسقة الذين لا همّ لهم سوى بطونهم، وقيمتهم ما يخرج من بطونهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء : 69.
(2) المجادلة : 11.
(3) النساء : 95.
شروط النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
عدنان الحاجي
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الشهيد مرتضى مطهري
الشهادة والصدق
الأستاذ عبد الوهاب حسين
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
جهاز نانوي يُنتج كهرباء مستمرّة من التّبخّر
شروط النصر (2)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (2)
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
النصر حليف جبهة المتوكّلين على الله تعالى
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الجائزة التّقديريّة لأمين الحبارة في معرض دوليّ في الصّين
شروط النصر (1)
الشهادة والصدق