
العَين إحدى الحواسّ الخمس، خَلَقها الله سبحانه وتعالى ليتمكَّن الإنسان من التمييز والتفريق بين الألوان، وهي إحدى منافذ النفس إلى الطبيعة فــ «الْعَيْنُ جَاسُوسُ الْقَلْبِ وَبَرِيدُ الْعَقْلِ»[1]، وَما تراهُ يحفظه القلب، إذ إنَّ «الْقَلْب مصْحَف الْبَصَرِ»[2]. فَلا ينبغي أن نُغمض العَين عن كلّ شيء، لئلّا يفوتنا كَسْب الكثير مِن العلوم والمعارف، وَلا أنْ نُطلق لها العنان، لِئلّا نَقعَ في المحذورات، فينبت في القلب الفسقُ وتُوَلَّد الغفلة والتخبُّط في المحظورات، إذ إنّ العين إذا أبصرَت الشهوة عَمِيَ القلب عن العاقبة؛ «فإنّها [العين] أقلّ شيء في الجسدِ شُكراً»[3]. وحدّ الاعتدال في استعمال العين أنَّ المرء إنْ نظرَ فَلْيَكُن في نظره عِبرة، وإنْ غضَّ طرفه فَلْيَكُن غضّه لا عن غفلة، وألّا يكون فاقدُ البصرِ أقدرَ مِن واجده، فَكَم مِن أشخاص يأتون بالعجائب وهم فاقدون لأبصارهم، وكم مِن أفراد كثرَت حسراتهم وطال ندمهم ولهم أعين واسعة!
وَالحديث عن النظر والبصر وعن الغضّ والإغماض حديثٌ متشعّب وطويل، نطرحه مِن جهتَيْن؛ الأولى النظر، والثانية الغَضّ.
البصر باب الاعتبار
عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حقّ البصر على صاحبه: «وأمّا حقّ بَصَرك، فغضّه عمّا لا يحلّ لك... فإنّ البصر باب الاعتبار»[4]. وَبِهَذا البيان حدَّدَ الإمام (عليه السلام) الإبصارَ والغضَّ، وفي الإبصار ينبغي الحذر ممّا يأتي:
1. إطلاق النظر: فلا يَصلح أن يُطلق الإنسانُ نظره، ولا أن يغضَّه دائماً؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ أَطْلَقَ نَاظِرَهُ أَتْعَبَ خَاطِرَهُ، مَنْ تَتَابَعَتْ لَحَظَاتُهُ دَامَتْ حَسَرَاتُهُ»[5] و«مَن أطلق طرفه كَثُرَ أسفه»[6].
2. النظر إلى المحذورات: حينما نحدّد موارد النظر، علينا أن نَنظر في ما يَصلح النظر إليه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ليس في البدن شيء أقلّ شُكراً مِن العين، فَلا تعطوها سؤلَها فتشغلَكم عن ذِكر الله عزّ وجلّ»[7]. أمّا ما لا يَصلح النظر إليه -بِصورة كلّيّة- هو المحذورات؛ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «قال عيسى بن مريم (عليهما السلام) للحواريّين: إيّاكم والنظر إلى المحذورات، فإنّها بذر الشهوات ونَبات الفسق»[8]، وفي وصيّته (عليه السلام) إلى عبد الله بن جندب أنّ عيسى بن مريم (عليهما السلام) قال لأصحابه: «إيّاكم والنظرة، فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فِتنة. طوبى لِمَن جعل بَصره في قلبه، ولم يجعل بَصره في عَينه»[9].
3. نَظر ليس له ثمر: يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «إنّ البصر باب الاعتبار»، وفي ذلك إشارة إلى الحثّ على عدم الغفلة، فلا يكون نظرك مصحوباً بعدم الاعتبار، إذ إنّه نوع مِن عمى العين، ويَشهد بذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ المؤمن إذا نَظَر اعتَبَر»[10].
بعض النظر عبادة
مِن الفيوضات الإلهيّة على العَبد أنْ جعل أبواب تعبُّده مشرعة أمام القاصدين، ولم يجعل لها حَدّاً، فَيَصل إليه الراغبون. ومِن جملة تلك الأبواب النظر إلى بعض الأشياء، كالنظر إلى العالِم، وَإلى الوالدين بِرَأفة، وفي المصحف، وإلى ما يُذكّر الإنسان بربِّه وآخرته؛ عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): «النظر إلى العالِم عبادة، والنظر إلى الإمام المقسط عبادة، والنظر إلى الوالدين بِرأفة عبادة، والنظر إلى الأخ تودّه في الله عزّ وجلّ عبادة»[11].
غضّ البصرِ علامة الأمانة
لم تتوقّف عبادة الله سبحانه وتعالى على الفِعل وتحريك العَضلات، فقد تتحقّق بِالتَرْك والكفّ عن الفِعل، كَغَضِّ البصرِ وتَرْك النظر، وقَد صرّحَ القرآن الكريم بذلك: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ﴾[12]؛ أي إنَّ النظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه زنا للعين كَزِنا الفَرْج. لذا، فإنّ الغضَّ مِن سِماتِ الأمين. ويَدلّ على ذلك ما عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله عزّ وَجَلّ: ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾[13]: «فَقَالَ لَهَا شُعَيْبٌ: أَمَّا قُوَّتُهُ فَقَدْ عَرَفْتِهِ أَنَّهُ يَسْتَقِي الدَلْوَ وَحْدَهُ، فَبِمَ عَرَفْتِ أَمَانَتَهُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَمَّا قَالَ لِي: تَأَخَّرِي عَنِّي وَدُلِّينِي عَلَى الطَرِيقِ، فَأَنَا مِنْ قَوْمٍ لَا يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِسَاءِ، عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقَوْمِ الَذِينَ يَنْظُرُونَ أَعْجَازَ النِسَاءِ، فَهَذِهِ أَمَانَتُهُ»[14]. وَقَد بيّنَت الشريعة الغرّاء أنّ الصورةَ البرزخيّة لامتلاء العين بالحرام في الدنيا هي امتلاؤها بالنار يوم القيامة، كما هو مضمون الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله).
الحكمة من غضّ البصر
يمكننا إدراك الآثار الإيجابيّة لغضّ البصر مِن بَعض الآثار الفاسدة التي تترتّب عليه. وقد جاء بيان ذلك في بعض الأخبار المتضمّنة بَيان العلّة أو الحكمة مِن غضّ البصر، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «حُرِّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وغيرهنّ من النساء، لما فيه من تهييج الرجال، وما يدعو التهييج إلى الفساد والدخول في ما لا يحلّ ولا يُحمَل»[15]؛ أي إنّ القاعدة في كلِّ نَظرٍ يترتّبُ عليه فَساد الفَرد أو المجتمع، هي حرمة إطلاق البصر ووجوب غضّه عن ذلك.
حلاوة العبادة بِغَضِّ البصر
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): بِمَاذَا يُسْتَعَانُ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ؟ فَقَالَ (عليه السلام): بِالْخُمُودِ تَحْتَ سُلْطَانِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّك»[16]. وعنه (عليه السلام): «النظرة سَهم مِن سهام إبليس مسمومٌ، مَن تركها لله عزّ وجلّ، لا لِغيره، أعقبه الله إيماناً يجد طعمه»[17].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ - مركز المعارف للتأليف والتحقيق)
[1] الإمام الصادق(عليه السلام) (منسوب)، مصباح الشريعة، مصدر سابق، ص9.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص548، الحكمة 409.
[3] العيّاشيّ، محمّد بن مسعود بن عيّاش السلميّ السمرقنديّ، تفسير العيّاشيّ، تحقيق الحاجّ السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، إيران - طهران، 1422ه، ط1، ج2، ص115.
[4] الشيخ الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، مصدر سابق، ص257.
[5] الشعيريّ، محمّد بن محمّد، جامع الأخبار، المطبعة الحيدريّة، العراق - النجف، لا.ت، ط1، ص93.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص23.
[7] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص629.
[8] الإمام الصادق(عليه السلام) (منسوب)، مصباح الشريعة، مصدر سابق، ص9.
[9] الشيخ الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، مصدر سابق، ص305.
[10] المصدر نفسه، ص212.
[11] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، مصدر سابق، ص454.
[12] سورة النور، الآية 30.
[13] سورة القصص، الآية 26.
[4] القمّيّ، عليّ بن إبراهيم بن هاشم، تفسير القمّيّ، تصحيح وتعليق وتقديم السيّد طيّب الموسويّ الجزائريّ، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، إيران - قمّ، 1404ه، ط3، ج2، ص138.
[15] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مصدر سابق، ج2، ص565.
[16] الإمام الصادق(عليه السلام) (منسوب)، مصباح الشريعة، مصدر سابق، ص9.
[17] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج4، ص18.
شروط النصر (1)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
الشهادة والصدق
الأستاذ عبد الوهاب حسين
استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب ومعلميهم أصبح سلاحََا ذا حدّين
عدنان الحاجي
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
السيد محمد حسين الطهراني
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شروط النصر (1)
الشهادة والصدق
استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلاب ومعلميهم أصبح سلاحََا ذا حدّين
العارف والصّوفي
معنى (كذب) في القرآن الكريم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (1)
الشهادة طريق المجد والرضوان
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا