علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

جائحة التقنية

لا تبدو مآلات الحداثة التقنية، إلا كمحصولٍ لعقلٍ استبد به الغلو، فانزاح عن غايته وانحدر صوب التشييئ المرِّوع للإنسانية المعاصرة. هذا هو بالضبط ما أوْقَدَ حماسة الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هايدغر ليستنزل عظيم نقده على ما جَنَتْهُ التقنية على الإنسان الحديث.

 

نقدية هايدغر للتقنية، ما كانت قولاً ورد على سبيل الانفعال بالمشهد المروّع لأمبرياليات القرن العشرين وحروبها الإفنائية، ولا جاءت ضرباً من السخط على طغيان تقنياتها، بل هي أشبه بـ "عويل فلسفي" ينذر باضمحلال حداثة الغرب وموتها الوشيك..

 

اتخذت التقنية في تفكير هايدغر أفقاً جاوز ما دَرَجَت عليه تيارات انتقادية وازنة، مثل مدرسة فرانكفورت حيث جعلت التقنية ظاهرة من ظواهر الاستلاب الرأسمالي. أما هو فقد أقامها مقاماً باعثاً على ولادة الجوائح. أمسك بناصيتها وراح  يبسطها بهدأة الحكيم على أرض التأويل؛ ثم مضى يستبطن بواعثها المتأصِّلة في ميثولوجيا الغرب، ويكشف أبعادها القصِيَّة في ميتافيزيقا الحداثة.

 

ولمّا وصفها بـ "الاصطناع المفروض" أراد أن يبيِّن كيف أن الإنسان يفقد بسببها كل طابع ميتافيزيقي، أو خاصِّية متعالية. ولأنه "فيلسوف الحنين إلى الكائن" كما يصفه عدد من مريديه ، فقد عكف على كشف ما ينحجُب وراء مشهدية الإنسان المعدني من آثار مفجعة.

 

جوهر التقنية بالنسبة إليه ليس بشيء تقني، وإنما هو عامل مكوِّن للتفكير الميتافيزيقي في الغرب. من أجل ذلك راح يدعو إلى الاحتراس من هذا "الجوهر" الذي تأسست ملحمته الأولى مع بارمنيدس وأفلاطون وأرسطو وجرى تكميله مع فلاسفة ومفكري عصر التنوير. وعلى هذا التأسيس الغائر في التاريخ، تظهر التقنية كطغيان لا رادّ له على الحضارة الإنسانية الحديثة. لذلك سعى هايدغر إلى متاخمتها بوصفها تعبيراً عن مأزق النزعة الأنسية التي تطلعت إلى تتويج الإنسان كسيِّد للكون. ومعها بلغت الميتافيزيقا أوجها ونهايتها.        

                                 

مع إطلالة القرن التاسع عشر انعطفت حركة التحديث بلا هوادة نحو زمن مشحون بعنف الهويات الأيديولوجية. الشاهد على هذا،  أن هذه الحقبة المفصلية الذي افتتحتها الثورة الفرنسية (1789م-1799م) وانختمت بمأساة الحربين العالميتين الأولى والثانية، شكّلت تأسيساً لزمن العنف المشار إليه. فلمَّا شقَّ القرن العشرون مساره الرهيب كانت قيم التنوير تصل إلى ذروة تهافتها..

 

لقد تميز هذا القرن باستشراء الشموليات الأيديولوجية التي ستبدِّد جل ما أتى به فلاسفة الدهشة بعصر العقل المحض..  ثم توغلت في أرض الغرب لتحيلها إلى مسرح يشهد على فجائعيتها المرعبة. فالعقل الذي افتتح مساره بإعلان تسيُّده على الكون، ما لبث أن وقع فريسة العنف القهري لكي يسيطر على كل شيء. كان العقل الأوروبي الصناعي في تلك الحقبة مهووساً بمصنوعه حدَّ التطيُّر. الأمر الذي حدا باللاَّهوتي الإنجيلي ديتريش بونهوفر الذي قضى ضحية النازية عام 1945، إلى القول بصوت مخنوق: "لقد صار سيد الآلة عبداً لها، وأمست الآلة عدواً للإنسان، وحرية الجماهير انتهت إلى رعب المفصلة، والتحرير المطلق للإنسان سيختم مساره بالدمار الذاتي" ...

 

كانت التقنية حاضرة بقوة لمَّا نشر أوسويلد شبنغلر Oswald Spengler الطبعة الأولى من كتاب تدهور الحضارة الغربية The Decline of the West، في ستينيات القرن المنصرم. يومها أعرب كثيرون عن اعتراضهم على بعض نتائجه، مشكّكين باقتراب انهيار الحضارة الغربية، إلا أن غالبيّتهم كانت تتوقّع الانهيار منذ زمن طويل. لم يكن هذا بسبب الحرب العالمية الثانية. على العكس، كانت الحرب وقت حماس وتكريس تامّ للنفس من أجل هدف مقدّس، وغدت المخاوف والشكوك المقلقة بالنسبة لمستقبل الثقافة الغربية طيّ النسيان. مع ذلك كله كان واضحاً وقتذاك أن الحضارة الغربية تسير بثبات نحو الانحلال..

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد