
قال الله تعالى ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27).
تخيّل أن كل فرد من أفراد مدينتك يملك خمسين مليون ريالاً في البنك، ماذا سيحدث في المجتمع؟
الآية الكريمة توضح حقيقة الطبيعة البشرية إذا لم تخضع للتربية والتهذيب، ولو بسط الله الرزق لعباده، لانتشر الفساد في الأرض والظلم والطغيان والذنوب والمعاصي.
الله تعالى يريد أن يمتحن عباده، ولكنه يريد (مهما أمكن) تهيئة الظروف المساعدة لهدايتهم ونجاحهم في الامتحان. ولذلك فهو ينزل الرزق على الناس بكميات وبالتدريج حتى لا يقعوا في ذلك المستنقع (مهما أمكن).
والمراد من القدر في الآية الكريمة إما هو التضييق في مقابل البسط والتوسعة، كما في قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أو بمعنى جعل الشيء على كمية معينة، ومنه قوله (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ).
وكثيرًا ما يتصوّر الإنسان نفسه بأنه يختلف عن الآخرين الذين أبطرتهم النعمة والغنى، ويعتقد الإنسان أن المال لن يغريه ويحرفه عن الحق والدين، ولكن عند الامتحان تنكشف حقيقة معدن الإنسان، ولعله هذا أحد أسباب ختم الآية الكريمة بقوله تعالى (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).
وهناك آيات أخرى تحدثت عن واقع كثير من المترفين ومستقبلهم:
1- (وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف: 23).
2- (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (سبأ: 34).
3- (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ) (الواقعة: 45).
4- (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16).
وفي الحديث الشريف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما أسري بالنبي (صلّى الله عليه وآله) قال: يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال: ... وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك....
نلاحظ في الحديث الشريف السابق أن هذين القسمين من (عبادي المؤمنين).
وهذا السؤال يتكرر كثيرًا:
يقوم بعض المؤمنين ببذل الكثير من الجهد في العمل والوظيفة، ويقومون أيضًا بالكثير من الأعمال المستحبة لتوسعة الرزق، ومع ذلك ما زالوا يعانون من الفقر، فما السبب في ذلك؟
الجواب:
هناك عدة أسباب (محتملة) وليست قطعية، والأمر يختلف من شخص إلى آخر.
وبعض أولئك المؤمنين ينطبق عليهم الحديث السابق، (ربما) يكون مما لا يصلحه إلا الفقر، فالله تعالى يبقيه فقيرًا ليحافظ على صلاحه وتديّنه، فيحفظ آخرته وحياته الأبدية.
وأما ثواب تلك الأعمال المستحبة فربما يعطيه إياها في مجال آخر كالصحة أو الذرية الصالحة، وربما يدخرها له في الآخرة.
إذًا فإنّ الله تعالى قد يمنع الغنى أو الصحة أو الذريّة أو بعض النعم عن الإنسان، لأنّ الله تعالى بعباده خبير بصير، ويعلم بأنّ ذلك الشخص لو أصبح غنيًّا معافى سيستعمل تلك النعم والخيرات في المعاصي والطغيان. ولذلك فالله سبحانه يحرمه من ذلك ليحافظ على دين ذلك الإنسان وآخرته. وهنا يأتي السؤال التالي:
كيف نجمع بين ذلك، وبين ما نراه من نعم وخيرات موجودة عند بعض الناس، بحيث طغوا وفسدوا وانحرفوا، فلماذا أعطاهم الله تعالى تلك النعم مع علمه بما سيعملونه؟
الجواب:
يجب أن نعلّم أن هناك عدة سنن إلهية وقوانين، وضعها الله تعالى للحياة الدنيا وللإنسان. وما ذكرنا سابقًا هو أحد السنن وليس كلها.
1- بعض تلك السنن تعمّ كل فرد من أفراد البشر بلا استثناء:
مثل: سنة الابتلاء (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) فالغنى ابتلاء، والفقر ابتلاء، والصحة ابتلاء، والمرض ابتلاء، فكل شؤون الإنسان في الحياة الدنيوية ابتلاء وامتحان واختبار من الله تعالى.
2- بعض تلك السنن تعم (المجموعات) بشكل مجموعي حسب ما يقومون به من أعمال ونفسية، وبحسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية:
مثل (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
فلاحظ كلمة (قوم) في الآيتين، فالمسألة مرتبطة بالوضع العام السائد عند أولئك القوم. عندما يتغيّر ما بأنفس القوم بشكل مجموعي، يغيّر الله ما بهم بشكل مجموعي، حتى وإن كان بعض القوم ما زال على ما كان عليه. فالقحط مثلاً أو الفيضانات تؤثر على جميع أفراد المجموعة، كما أنّ رخص الأسعار، وبركة الأرض تشمل جميع أفراد المجموعة.
3- بعض تلك السنن خاصة بالأفراد بشكل شخصي، حسب ما يقوم به من أعمال جوارحية ونفسية، وبحسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية:
مثل: سنة الاستدراج والمكر (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)، (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ).
فزيادة المال على هؤلاء إنما هو بسبب أعمالهم ونياتهم، بحيث شملتهم سنة الاستدراج الإلهي ليزدادوا إثمًا، ثم يأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر.
بقيت هنا نقطة هامة:
بعض السنن الإلهية ربما يكون لها تطبيقان ومرتبتان، تطبيق على الأمة بشروطه، وتطبيق على الفرد بشروطه.
مثلاً: سنة الإصلاح (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ). رأينا كيف أن هذه السنة تجري على المجتمع بشكل عام، بحيث أن إنزال الرزق يكون بكميات وبالتدريج لئلا يبغي الناس في الأرض بشكل مفرط. ورأينا أيضًا من خلال الحديث القدسي أنّ الله تعالى يضيّق الرزق على بعض عبادة المؤمنين إذا كان لا يصلحهم إلا الضيق.
مثال آخر:
تقدّم قبل قليل أن تغيير القوم ما بأنفسهم، يكون سببًا في تغيير الله ما بهم. ونضيف إلى ذلك أن بعض الذنوب وإن كانت بشكل فردي، تؤثر في الوضع الفردي وإن لم تؤثر على الوضع الاجتماعي العام. وقد جاء في دعاء كميل (اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته وكل خطيئة أخطأتها).
وفي الختام:
يجب أن نتذكر هنا أن الأعمال الصالحة الفردية أيضًا (كدفع الصدقة وصلة الأرحام والدعاء) لها آثار إيجابية على صحة الإنسان وطول عمره ورزقه وما شابه. كما أن الأعمال الصالحة لمجموع المجتمع له آثار إيجابية على المجموع (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
معنى قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}
الشيخ محمد صنقور
معرفة الإنسان في القرآن (11)
الشيخ مرتضى الباشا
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
مميّزات الصّيام
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الدم الزاكي وأثره على الفرد والجماعة
الشيخ شفيق جرادي
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
كريم أهل البيت (ع)
الشيخ علي الجشي
الإمام الحسن (ع): أوّل فراقد العصمة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد